عن العقل و العلم .. و الأيمان و الدين

من كتاب حصاد السنين للدكتور زكي نجيب محمود

و عند هذه النقطة نتحول الى مجال “الدين” لنجد الفارق الواضح بين “علم” و “دين” حتى اذا ما رأيناه في وضوحه الناصع, حق لنا أن نعجب من علماء أفاضل يخلطون بين المجالين فيرون “علما” فيما هو “دين”. فالعلوم بكل صنوفها أنها قائمة أساسا على منطق “العقل” و ما نعنيه في هذا السياق بكلمة “عقل” و هو أنه حركة أستدلالية انتقالية يتحرك بها الفكر من مقدمات أو شواهد, إلى نتائج تكون هي نظريات العلم و قوانينه. أي أن العقل ينتهي الى ما ينتهي إليه بطريق غير مباشر, إذ هو يلجأ الى حركة أنتقالية تتوسط بين المعطيات الأولية من جهة و النتائج عنها من جهة اخرى

و أما العقيدة الدينية فعمادها “إيمان” و الإيمان طريقه مباشر, فينزل الوحي الإلهي على نبي أو رسول, فيعلنه أمام الناس فمن قبله كان مؤمنا و القبول هنا مباشر, لا واسطة فيه بين المسموع و من جهة و قبوله من جهة أخرى .. شأنه في ذلك شأن العملية الذوقية .. تضع الطعام على اللسان فتذوقه بلمسة مباشرة كما تلمس بأصابعك الحديد الساخن فتحس لسعته مباشرة بغير الملموس و اللامس.. و هكذا ينزل الوحي على القلوب فتنبض بالقبول, فيكون أيمانا. و بالطبع قد يحث بعد ذلك لمن أمن أو لا لأن يتناول “بالعقل” ما قد امن به, ليستدل منهما يمكن أستدلاله, و بهذا يكون “علم الدين” أو “علوم الدين” حين تتعدى العلوم بتعدد الزوايا التي ينظر بها الباحثون إلى النصوص التي كانوا و ما زالوا يؤمنون بها أيمان “قلب” سواء تناولها بعد ذلك “عقل” علمي ام يتناولها, فذلك لا يغير من أيمان المؤمنين شيئا

إن من خصائص الدين, أنه مع الأيمان بالله ورسله وكتبه و اليوم الأخر, يمد المؤمنين بمجموعة ضخمة من “قوانين” السلوك الصحيح, فهو آنا يأمر بما يجب فعله , و آنا ينهي عما لا يجوز فعله. وواضح ان تلك القوانين الخلاقية, الضابطة لسلوك المؤمنين بالدين المعين تجئ “قبل” السلوك ذاته, حتى إذا أراد السالك أن يسلك طريقا ما وجد بين يديه القانون الأخلاقي الموجه له. و هنا نستلفت النظر الى فارق واضح أخر, غير الفارق الذي أسلفناه بين ما هو “علم” و ما هو “دين”. فبينما قوانين العلم تأتي “بعد” وجود الظاهرة الكونية, التي أستخلص منها العلماء قوانينها, نرى قوانين الأخلاق -عند المؤمنين بالدين-  تأتي “قبل” أن ينشأ السلوك الذي يهتدي بهديها

فهل يجوز لنا بعد هذا كله, أن يلتبس الأمر علينا فنخلط بين علم و دين خلطا ذهب بنا أن نبحث عن “العلوم” في كتاب الله الكريم؟ فنسمع عن مؤتمر تلو المؤتمر و يحضر تلك المؤتمرات علماء نجلهم أعظم إجلال, و نوقرهم أرفع توقير, يحضرونها ليبحثوا مرة عن علم الطب في القرآن الكريم و مرة عن علم الأقتصاد. و لقد طالعتنا الصحف ذات يوم بالمهندسين يرجون أن يقام مؤتمر للبحث عن العلوم الهندسية في القرآن الكريم

إنه إذا وردت “حقائق” معينة في الكتاب الكريم عن هذا المجال أو ذاك , فهي حقائق و لكنها ليست “علوما” , لأن جوهر “العلم” ليس هو مجموعة معينة من “حقائق”, بل جوهره “منهج” خاص يؤدي  الى الكشف عن تلك الحقائق, فإذا حدث أن تبين شئ من القصور أو الخطأ في تلك النتائج التي كان قد وصل إاليها العلم بمنهجه ذاك, جاء من العلماء بعد ذلك من عرف كيف يسد وجه القصور أو يصحح موضع الخطأ

و لعله مما ينفع الناس في هذا السياق, أن نذكرهم بأنه عندما كان “للفلسفة” اليونانية التي نقلها العرب المسلمون في القرون الولى من تاريخ الأسلام , نوع من أرتفاع المنزلة عند رجال الفكر يومئذ, فقد أحسوا بشئ من الغيرة على ما قد نزل به الدين الموحي به, فاتجهوا بجهدهم نحو أن يبينوا أن ما قد أنتجته حكمة الفلاسفة وارد في القرآن الكريم, ثم ما يلبث نفر من أئمة الفكر الأسلامي كابن تيمية و الغزالي أن أخذهم القلق من ذلك الموقف الذي ربما دل على شعور بالنقص إزاء وافد عليهم من خارج دينهم

و تمضي القرون و إذا بوافد أخر يأتينا من خارجنا, و هو هذه المرة “علوم” لا فلسفة, فواعجبا أن نرى الغيرة القديمة قد أخذت علمائنا المحدثين و المعاصرين, فاتجهوا بجهدهم أيضا ليقولوا إن ما قد جاءت به “العلوم” الحديثة وارد في القرآن الكريم

و في الرأي المتواضع لكاتب هذه السطور, أن “الدافع النفسي” في كلتا الحالتين لم يكن له ما يبرره. فإذا ظهرت فلسفات هناك أو علوم هنا , فتلك و هذه ملك للأنسانية كلها, وواجبنا الصحيح هو المشاركة الأيجابية الفعالة في هذه و تلك معا, على قدم المساواة بيننا و بين سوانا إذ ليس في الأمر ما يدعو إلى هجوم أو دفاع. أن القرآن الكريم هو كتاب الأسلام, و الدين و العلم يتكاملان في الأنسان كما يتكامل فيه السمع و البصر أو كما يتكامل القلب و الرئتان دون أن يكون السمع بصرا أو البصر سمعا .. و دون أن نقول عن الرئتين إنهما موجودتان داخل القلب أو إن القلب موجود داخل الرئتين. و على هذا القياس, لا يكون الصواب هو ان يقول المؤمن إن لي دينا فيه العلم, و أنما الصواب هو أن يقول أن لي دينا, و علما محكوما بقيم الدين

Comments are closed.