Category Archives: جمال البنا

بالعربي جمال البنا

قضية الفقه الجديد – التجزيئية

في هذا الفصل يتحدث جمال البنا عن المكونات التي أعطت الفقه شخصيته و ألخص هنا ما لفت نظري و هو المكون الأول : “التجزثية” أن الفقه كان يقصد به التوصل إلى الحكم في عدد من الوقائع ، فلم تكن هنالك فكرة عن وضع “تشريع” أو حتى “قانون” عام شامل ، لأن القرآن الكريم و السنة النبوية كانا يقومان بهذا الدور، فالفقه الإسلامي فى مرحلته الأولى كان فقه قضاء يوجه للقاضى ، ولم يكن فقه تشريع يظهر فيه المشرع . . وحتى بعد أن نهج هذا الأسلوب التوصل الى الأحكام عندما أسس الأئمة أصول الفقه ، فإن أصول الفقه نفسها احتفظت بهذه القسمة فلم تكن تشريعا ولكن كانت منهجا لاستنباط الأحكام من مصدرى التشريع .. ثم ألحق الفقهاء أصول أخرى للتشريع مثل الاجماع و القياس
ولم يكن متصورا أن يظل الفقه على هذه الصورة الفضفاضة ، كان لا بد أن ينهج ويؤصل فى علم “أصول الفقه” وهذا ما قام به الشافعي فى مصر، وأصحاب أبى حنيفة فى العراق، عندما وضعوا “أصول الفقه” فألف الشافعى “الرسالة” كمقدمة لكتابه الفقهى الكبير “الأم ” ، وبين فيها كيفية التعامل مع القرآن والسنة النبوية بطريقة سهلة وسائغة وبعيدة عن أى تعقيد وبعضها بأسلوب الحوار

ونحن نرى أن ما ذهب إليه الشافعى يمثل التطور الطبيعى لنقل الفقه من “فقه الحالات” المتناثرة المتعددة إلى “فقه المصادر” المؤصلة” … ولكن البعض عادوا مرة أخرى إلى فقه الحالات والفروع بفكرة إثبات صحة التأصيل مضافا إليه زياداتهم الخاصة والواقع  فافترضوا افتراضات بعيدة وغير محتملة لا لشىء إلا لإثبات البراعة الفقهية والتمكن فى حرفة الفقه وصناعته

و قد حاول علاج “التجزيئية”  في الفقه بعض العلماء بأبتكار فكرة القواعد التي تلم شتات كل مجموعة من الجزئيات أو الفروعيات و تحكمها .. و لكن المفارقة أن القواعد التي أريد بها إلجام التجزيئية و لم شملها .. انتهت هي نفسها الى تجزيئية ..   فبعض علماء الشافعية رد المذاهب الى أربع قواعد “اليقين لا يزال بالشك” و “المشقة تجلب التيسير” و “الضرورة تزال” و “العادة محكمة” و زاد غيره خامسة “الأمور بمقاصدها” … و إذا كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال أن الفقه كله قائم على قاعدة “جلب المصالح و درء المفاسد” فلم يكن هذا شأن الأخرين الذي ضم كتبهم مائة قاعدة فقهية و أكثر بل بلغت المئات

وهكذا نرى أن المحاولات التى بذلت لتحويل الجزيئية فى الفقه إلى كلية ونقله من أن يكون فقه قضاء إلى فقه تشريع فشلت سواء في ذلك وضع أصول الفقه أو فكرة المقاصد ، أو فكرة القواعد  و فى نظرنا أن هذا التحول لا يمكن التوصل إليه عن طريق الفقه التقليدى  وانما يوصل إليه بفقه جديد لا يقوم على مرتكزات الفقه التقليدى  وانما يبدأ مباشرة من النقطة التى بدأ منها القرآن نفسه  لأن القرآن  فى إجماله التشريع ، وهذا أمر يختلف عن جعله مصدرا من مصادر أصول الفقه “أو حتى الأول من مصادر أصول الفقه” لأننا فى حالة الفقه الجديد لا نأخذ الأحكام جاهزة ، مجردة، منتزعة آياتها من السياق فيكون الفقه قضاء  ولكننا نأخذ ألقرآن ككل  ننظر فى “القيم الرئيسية” فيه  وهذه بطبيعتها محدودة معدودة بأصابع اليدين ، ونجعل كل قيمة مصدرا لجموعة من الأحكام التى تتصل بها ثم تربطه برباط واحد أو توضع داخل إطار واحد  وهو أمر لن يكون فيه صعوبة لأنها كلها منبثقة مز القرآن الواحد  بحيث لا يكون فيها تعارض أو تنافر . . وهو ما فعلناه عندما جعلنا القيم الحاكمة فى القرآن الكريم أصلآ من أصول الشريعة أو قل أصل الشريعة . . ويمكن أن تؤخذ أيضا القيم الخاصة بالعقيدة والإيمان ، والتى يمكن أن تدرج كلها في قيمة واحدة هي “التقوى” لتكون أصل العقيدة، و ليتألف منها جميعا النظرية العامة للأسلام عقيدة و شريعة

بالعربي جمال البنا

قضيـة الفقــه الجديـد – وحي البيان

بالرغم لعدم أرتياحي لكثير من مشاغبات جمال البنا، إلا أن كتاب “قضية الفقه الجديد” جاء بعدة أجتهادات مهمة .. رأيت تسجيل أثنين منها

أول الاجتهادات في فصل بعنوان “الرسول و البلاغ المبين” في باب “السنة في الفقه الجديد” وفيه يحاول المؤلف على أجابة سؤال لماذا أوكل الله تعالى مهمة البيان بجانب مهمة البلاغ؟ .. و هو سؤال في أجابته  وضع السنة في موضعها الصحيح بالنسبة للفقه الجديد في رأي المؤلف .. و بعد ان يسرد المؤلف الردود التقليدية من أن القرآن جاء مجملا يحتاج الى بيان .. الخ، يثبت المؤلف عدم كفاية هذه الأراء

لابد إذن من حكمة توخاها القرآن من عدم ذكر التفاصيل. والحكمة التى تبدو لنا هى أن القرآن لم يرد أن يربط الكليات الملزمة، والباقية أبداً من صلاة وزكاة أو صيام أو حج أو شورى الخ.. بصورة محددة يمكن أن تكون قيداً على هذه الثوابت، أو عنتاً، أو تحدث عجزاً عن التلائم مع الأوضاع المتغيرة الخ

فى الوقت نفسه ما كان يمكن أن تترك التفاصيل لاجتهاد الأفراد أو توضع تحت هوى النفوس. وكان لابد من ضابط لها يضبطها دون أن يكون بمستوى الإلزام القرآني. وإلا لأوردها القرآن نفسه ..

من هنا جاءت وظيفة البيان، ومن المحتمل أن الأوائل لم يفطنوا إلى الحكمة فيه لأن البيان النبوى جاء مصاحباً للبلاغ القرآنى فى مكانه وزمانه، فكانت الحكمة خافية. وإنما تظهر الحكمة عندما يتطاول الأمد. أو تتغير الظروف أو يتم التطبيق فى بلاد أخرى. فقد كان من الطبيعى أن تكون الزكاة وعتق الرقاب الخ.. بالنياق والجمال أو الحبوب الموجودة فى جزيرة العرب .

ولهذا لم تبين الثوابت القرآنية المحددة فى البلاغ فى مضامينها “الزكاة” ونرى البيان لهذه الزكاة. فيما يحدده الرسول من نسبة فى الإبل أو الحبوب مما كان مفهوماً وموجوداً لدى العرب

ثم يذهب المؤلف لشرح مفهوم الوحي السني ( وحي البيان ) و الوحي القرآني و ضرب أمثلة من وحي البيان و دلالة رفض تدوين السنة “شرح المؤلف هذه النقطة بما لا يدع زيادة لمستزيد وأستشهد فى ذلك بأقوال من شيوخ الأزهر ودعاة السُنة”  … ثم خلص المؤلف في بحثة الى النتيجة التالية

إن لهذا كله دلالة كبيرة تترابط مع الحقائق الرئيسية التى أبرزناها فى هذه الفقرة وتتكامل معها وهذه الدلالة هى

أولا: اقتصار القرآن الكريم على المجمل والكليات دون ذكر التفاصيل، وأن هذا لا يمكن أن يكون عجزاً أو سهواً أو نسياناً “وما كان ربك نسياً” ، وإنما له حكمة هى أن لا يكون التأبيد القرآنى للتفاصيل ولكن للكليات وحدها

ثانياً: إيكال القرآن تبيان هذه التفاصيل إلى الرسول عن طريق الوحى السُنى لأنه من غير المتصور أن لا تحدد، وفى الوقت نفسه أغفل القرآن تحديدها

ثالثاً: قيام الرسول بهذا البيان وتحديد التفاصيل عن طريق الوحى السُنى الذى هو أقل من الوحى القرآنى ولو كان فى مثل قوة الوحى القرآنى لأفترض أن يأتى به القرآن نفسه

رابعاً: نهى الرسول عن كتابة حديثه ورفض الخلفاء الراشدين.. والصحابة الكتابة

الدلالة الوحيدة التى تُستخلص من هذه الواقعة أن الجميع: الرسول، والخلفاء الراشدين والصحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السُنن من أحكام رغم التزام جيل الرسول والأجيال بعده بها ما دامت لا تمثل عنتا، أو حرجاً، فإذا حدث هذا، أو جاءت أجيال بعوامل جديدة لم تكن معهودة لجيل الرسول

ففى هذه الحالات يُجتهد للتوصل إلى حلول تتفق مع الثوابت القرآنية حتى وإن خالفت الأحكام السُنية التى جاء بها وحى أقل من القرآن وفى الوقت نفسه، نهى الرسول عن تأبيدها بالتسجيل

ملحوظة: لا يجب أن يأخذ هذا الرأي على أنه رد للسنة القولية او ما شابه .. فالموضوع في الكتاب تم شرحه بأستفاضة تنفي الشبهة بل خالف المؤلف الفقهاء والمحدثين فى الأخذ بما وضعه الرسول من مبادئ وأسس فى قيادة الأمة والمجتمع. فأوجب الأخذ بها على حين أن الفقهاء قدامى ومحدثين يرون أنها ليست تشريعاً