Category Archives: زكي نجيب محمود

بالعربي زكي نجيب محمود

من قصة الفلسفة الحديثة

“إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الأنسان الى الألحاد، و لكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الأيمان، ذلك ان عقل الأنسان قد يقف عند ما يصادفه من أسباب ثانوية مبعثرة فلا يتابع السير الى ما وراءها … و لكنه إذا امعن النظر فشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها لا يجد بدا من التسليم بالله”

فرنسس بيكون –  قصة الفلسفة الحديثة

بالعربي زكي نجيب محمود

عربي بين ثقافتين

6163993لماذا تخلف العرب و تقدم الغرب؟ .. هناك أجابتان جاهزتان لهذا السؤال الكبير و ملخصهم هو أن صاحب الأجابة الأولى يغض الطرف عما يستخدمه في حياته اليومية من نتاج الحضارة الغربية و يرميها بكل الموبقات و لا يرى هذا التقدم المزعوم وكل ما يريده هو أمتلاك العرب و المسلمين لأسباب القوة “المفقودة” للقضاء على هذا المستعمر الغربي و السبيل لأمتلاك هذه القوة هو “العودة” الى عصور العرب و الأسلام الذهبية و نبذ كل ما اتانا و يأتينا من الشمال أو الغرب

و صاحب الأجابة الثانية لا يرى أي فضل للعرب ولا لتراثهم و يرى ان الأولى بهم أن ينبذوا الماضي وراء ظهورهم و أن ينهلوا كل المتاح مما يأتي من الغرب عسى أن يجدوا موضع قدم في عالمهم

و هناك عشرات الأجابات التي تمزج الرأيين بنسب مختلفة

و يجيب زكي نجيب محمود في هذا الكتاب على نفس السؤال و قد كتبه في الثمانين من عمره فيرفض الأجابات الجاهزة أبتدءا .. و يمضي من خلال 26 حديث في تحليل هذا السؤال الكبير ثم الأحابة عليه .. يرى المؤلف فضائل الشرق و لا ينكر فضائل الغرب … يحلل بعمق هذا “العربي” و يقارنه بنظيره “الغربي” .. يحلل هذا العصر .. ما هي سماته .. و يرصد أسباب التفوق التى حازها الغرب فأصبح سيد هذا العصر و يبحث فيما يمنع العربي من أمتلاك هذه الأسباب أو غيرها ليشارك في بناء هذا العصر

المميز في هذا الكتاب أن المؤلف لم يكتفي برصد أسباب التراجع العربي و يترك الحل “لأخرين” كما في كثير من الكتب التي تتحدث في نفس الموضوع .. لكنه يترك القارئ العربي في نهاية الكتاب في حالة “تصالح” بين ماضيه و عصره و هذا في رأيي هو جوهر الأجابة عن السؤال الكبير

الكتاب شيق جدا برغم ان عنوانه و عنواين الفصول تبدوا جافة .. و لضمان وضوح أفكاره للقارئ العادي عادة ما يلخص المؤلف كل حديث (فصل) في أول الحديث التالي له كما يلخص مجمل الأحاديث في اخر الكتاب

 

بالعربي زكي نجيب محمود

عن الحرية يتحدث

كتاب مختلف عما قرأته لزكي نجيب محمود من قبل .. بالأضافة الى القيمة الفكرية فالكتاب ممتع .. لعل حب المؤلف للحرية كان السبب في أختلاف أسلوب الكتاب ..

الكتاب في جزئين .. الأول عن الحرية .. حرية العقل، و الثاني مجموعة من المقالات المتفرقة و إن كانت تدور حول نفس المحور .. العصر و التراث

كما يتغنى المؤلف بالحرية يتغنى بتراثه العربي الأسلامي .. و لا أدري كيف يتهم البعض المؤلف بالتغريب؟ لقد كاد أن بفقد المؤلف دماثته المعتادة و هو يرد على رسالة من أحد طلبة الهندسة و قد يأس من “جمع التراث بجوار العلم العصري” و أبدى سخريته من هذا التراث

أخذت أفكار المؤلف النظرية شكل تطبيقي في فصل بعنوان “خطاب من مجهول” و الفصل عن خطاب تلقاه المؤلف يقول فيه كاتبه أنه يقدر دعوة زكي نجيب محمود بمزج تراثنا بحضارة العصر حتى يمكننا أن نستمر بل و أن نشارك في صناعة هذا العصر و لكنه – كاتب الخطاب – يقول إن هذه الفكرة مجرد حلم لأن ببساطة تراثنا إسلامي! .. أعتقد أن رد زكي نجيب محمود على هذا الخطاب يعتبر من أعمق ما قرأت عن هذه القضية – أعني إسلامية التراث و روح العصر “الغربي” – و مما زاد الفكرة عمقا هو نقد احد القراء رد زكي نجيب محمود ثم رده على هذا النقد .. أعتقد أن هذا النقاش الراقي في غاية الأهمية خصوصا في أيامنا هذه

الشئ المحزن .. إن هذا الكتاب على أهميته غير متوفر في الأسواق .. و النسخة الورقية التي أستطعت الحصول عليها كانت مستعملة

أحمد بهجت أحمد كمال أبو المجد المعتز بالله عبد الفتاح بالعربي جلال أمين حازم الببلاوي زكي نجيب محمود

كتب 2011 – الجزء الثاني


حصاد السنين: زكي نجيب محمود

سيرة ذاتية مختلفة .. لم يذكر الكاتب الكثير عن نفسه و لكن كتب عن رحلة حياته في البحث في موضوع واحد فقط .. التقدم .. ما هو التقدم و لماذا تقدم الغرب و تأخر الشرق؟ ..  يستنكر الكاتب أعتبار الشرقيين أن العصر الذهبي قد ولى فهم يتشوقون للماضي عندما ينظروا للمستقبل   .. يريد الكاتب أن نعتبر الماضي هو نقطة أبتداء علينا تجاوزها كشرط للتقدم

الكتاب صعب و”فلسفي” جدا .. و لكن تتضح أهميته عندما قرأت كتاب حازم الببلاوي  في الأقتصاد و كتاب معتز عبد الفتاح السياسي .. الكتاب لا يعنى  بالأقتصاد أو السياسة .. و لكن يعنى بأسلوب التفكير نفسه و رد الفروع الى أصولها .. يهتم الكتاب بالكليات و ليس الجزئيات و هو شئ على أهميته أتضح أنه ناقص جدا في ثقافتي الشخصية .. أعتقد أن أصدار مبسط أو مختصر من الكتاب يجب أن يدرس في المرحلة الثانوية

مواضيع سابقة من نفس الكتاب
التقــــدم
عن العقل و العلم .. و و الأيمان و الدين

 

read more »

بالعربي زكي نجيب محمود

عن العقل و العلم .. و الأيمان و الدين

من كتاب حصاد السنين للدكتور زكي نجيب محمود

و عند هذه النقطة نتحول الى مجال “الدين” لنجد الفارق الواضح بين “علم” و “دين” حتى اذا ما رأيناه في وضوحه الناصع, حق لنا أن نعجب من علماء أفاضل يخلطون بين المجالين فيرون “علما” فيما هو “دين”. فالعلوم بكل صنوفها أنها قائمة أساسا على منطق “العقل” و ما نعنيه في هذا السياق بكلمة “عقل” و هو أنه حركة أستدلالية انتقالية يتحرك بها الفكر من مقدمات أو شواهد, إلى نتائج تكون هي نظريات العلم و قوانينه. أي أن العقل ينتهي الى ما ينتهي إليه بطريق غير مباشر, إذ هو يلجأ الى حركة أنتقالية تتوسط بين المعطيات الأولية من جهة و النتائج عنها من جهة اخرى

و أما العقيدة الدينية فعمادها “إيمان” و الإيمان طريقه مباشر, فينزل الوحي الإلهي على نبي أو رسول, فيعلنه أمام الناس فمن قبله كان مؤمنا و القبول هنا مباشر, لا واسطة فيه بين المسموع و من جهة و قبوله من جهة أخرى .. شأنه في ذلك شأن العملية الذوقية .. تضع الطعام على اللسان فتذوقه بلمسة مباشرة كما تلمس بأصابعك الحديد الساخن فتحس لسعته مباشرة بغير الملموس و اللامس.. و هكذا ينزل الوحي على القلوب فتنبض بالقبول, فيكون أيمانا. و بالطبع قد يحث بعد ذلك لمن أمن أو لا لأن يتناول “بالعقل” ما قد امن به, ليستدل منهما يمكن أستدلاله, و بهذا يكون “علم الدين” أو “علوم الدين” حين تتعدى العلوم بتعدد الزوايا التي ينظر بها الباحثون إلى النصوص التي كانوا و ما زالوا يؤمنون بها أيمان “قلب” سواء تناولها بعد ذلك “عقل” علمي ام يتناولها, فذلك لا يغير من أيمان المؤمنين شيئا

إن من خصائص الدين, أنه مع الأيمان بالله ورسله وكتبه و اليوم الأخر, يمد المؤمنين بمجموعة ضخمة من “قوانين” السلوك الصحيح, فهو آنا يأمر بما يجب فعله , و آنا ينهي عما لا يجوز فعله. وواضح ان تلك القوانين الخلاقية, الضابطة لسلوك المؤمنين بالدين المعين تجئ “قبل” السلوك ذاته, حتى إذا أراد السالك أن يسلك طريقا ما وجد بين يديه القانون الأخلاقي الموجه له. و هنا نستلفت النظر الى فارق واضح أخر, غير الفارق الذي أسلفناه بين ما هو “علم” و ما هو “دين”. فبينما قوانين العلم تأتي “بعد” وجود الظاهرة الكونية, التي أستخلص منها العلماء قوانينها, نرى قوانين الأخلاق -عند المؤمنين بالدين-  تأتي “قبل” أن ينشأ السلوك الذي يهتدي بهديها

فهل يجوز لنا بعد هذا كله, أن يلتبس الأمر علينا فنخلط بين علم و دين خلطا ذهب بنا أن نبحث عن “العلوم” في كتاب الله الكريم؟ فنسمع عن مؤتمر تلو المؤتمر و يحضر تلك المؤتمرات علماء نجلهم أعظم إجلال, و نوقرهم أرفع توقير, يحضرونها ليبحثوا مرة عن علم الطب في القرآن الكريم و مرة عن علم الأقتصاد. و لقد طالعتنا الصحف ذات يوم بالمهندسين يرجون أن يقام مؤتمر للبحث عن العلوم الهندسية في القرآن الكريم

إنه إذا وردت “حقائق” معينة في الكتاب الكريم عن هذا المجال أو ذاك , فهي حقائق و لكنها ليست “علوما” , لأن جوهر “العلم” ليس هو مجموعة معينة من “حقائق”, بل جوهره “منهج” خاص يؤدي  الى الكشف عن تلك الحقائق, فإذا حدث أن تبين شئ من القصور أو الخطأ في تلك النتائج التي كان قد وصل إاليها العلم بمنهجه ذاك, جاء من العلماء بعد ذلك من عرف كيف يسد وجه القصور أو يصحح موضع الخطأ

و لعله مما ينفع الناس في هذا السياق, أن نذكرهم بأنه عندما كان “للفلسفة” اليونانية التي نقلها العرب المسلمون في القرون الولى من تاريخ الأسلام , نوع من أرتفاع المنزلة عند رجال الفكر يومئذ, فقد أحسوا بشئ من الغيرة على ما قد نزل به الدين الموحي به, فاتجهوا بجهدهم نحو أن يبينوا أن ما قد أنتجته حكمة الفلاسفة وارد في القرآن الكريم, ثم ما يلبث نفر من أئمة الفكر الأسلامي كابن تيمية و الغزالي أن أخذهم القلق من ذلك الموقف الذي ربما دل على شعور بالنقص إزاء وافد عليهم من خارج دينهم

و تمضي القرون و إذا بوافد أخر يأتينا من خارجنا, و هو هذه المرة “علوم” لا فلسفة, فواعجبا أن نرى الغيرة القديمة قد أخذت علمائنا المحدثين و المعاصرين, فاتجهوا بجهدهم أيضا ليقولوا إن ما قد جاءت به “العلوم” الحديثة وارد في القرآن الكريم

و في الرأي المتواضع لكاتب هذه السطور, أن “الدافع النفسي” في كلتا الحالتين لم يكن له ما يبرره. فإذا ظهرت فلسفات هناك أو علوم هنا , فتلك و هذه ملك للأنسانية كلها, وواجبنا الصحيح هو المشاركة الأيجابية الفعالة في هذه و تلك معا, على قدم المساواة بيننا و بين سوانا إذ ليس في الأمر ما يدعو إلى هجوم أو دفاع. أن القرآن الكريم هو كتاب الأسلام, و الدين و العلم يتكاملان في الأنسان كما يتكامل فيه السمع و البصر أو كما يتكامل القلب و الرئتان دون أن يكون السمع بصرا أو البصر سمعا .. و دون أن نقول عن الرئتين إنهما موجودتان داخل القلب أو إن القلب موجود داخل الرئتين. و على هذا القياس, لا يكون الصواب هو ان يقول المؤمن إن لي دينا فيه العلم, و أنما الصواب هو أن يقول أن لي دينا, و علما محكوما بقيم الدين

بالعربي زكي نجيب محمود

التقدم

من مقدمة “حصاد السنين” .. السيرة الذاتية لزكي نجيب محمود

و فكرة “التقدم” هذه من الأفكار المركبة التي تحتوي على أبعاد كثيرة فمنها ان الآخذ بها من أن يجعل نفسه  على أعتقاد راسخ بأن الحاضر قد هضم الماضي ثم أضاف جديدا تلو جديد مما أنتجته السنون

و معنى ذلك ألا يكون “العصر الذهبي” وراء ظهورنا بل يكون موضعه الصحيح هو في المستقبل الذي يعمل الناس على بلوغه و من هنا تكون فكرة التقدم محتوية على وجوب “التغيير” مع متغيرات الحضارات المتعاقبة و “التطور” الذي ينقل صور الحياة نحو ما هو أعلى

و معنى ذلك وجوب الأهتمام “بالمصير” و لا يتفي هذا الأهتمام أن تجئ قوائمه مستندة الى تراثنا الذي تركه لنا السلف, على ألا يكون في حياتنا الحاضرة بمثابة النهاية التي نقف عندها, بل يكون بين أيدينا نقطة أبتداء نجاوزها  إلى مستلزمات حاضر حي و مستقبل مأمون