Category Archives: عبد الوهاب المسيري

بالعربي عبد الوهاب المسيري

الخريــطة الإدراكيـــة

يتصور البعض أن ما يقوله أي أنسان هو تعبير دقيق عن موقفه الذي هو بدوره انعكاس مباشر لوضعه أو لبيئته أو ظروفه . و مثل هذا التصور يتجاهل ما أسميه الخريطة الأدراكية .. فما هي الخريطة الأدراكية؟

على عكس ما يتصور البعض فإن الإنسان لا يدرك واقعه بشكل حسي مادي مباشر إلا في حالات نادرة تتسم بالبساطة، كأن تلسع يده سيجارة أو يدخل في عينيه جسم صلب. فالإنسان ليس مجموعة من الخلايا والأعصاب والرغبات والدوافع المادية (الاقتصادية أو الجسمانية) وسلوكه ليس مجرد أفعال وردود أفعال مشروطة، تتحكم فيها قوانين الميكانيكا أو البيولوجيا. فعقل الإنسان ليس مجرد مخ مادي، صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزنة في الوعي واللاوعي

لكل هذا فإن الإنسان لا يسلك كرد فعل للواقع المادي بشكل مباشر (مثير مادي تعقبه مباشرة استجابة)، وإنما كرد فعل للواقع كما يدركه هو بكل تركيبيته، ومن خلال ما يسقطه على الواقع من أفراح وأتراح، وأشواق ومعان، أو رموز وذكريات، وأطماع وأحقاد، ونوايا خيّرة وشريرة، ومن خلال مجموعة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والأيدولوجية.

وبسبب تركيبية الإنسان هذه، ونظرا لأنه لا يستجيب للواقع المادي مباشرة وإنما يستجيب له من خلال إدراكه له، فلا يمكن لأي دارس أن يحيط بأبعاد أي ظاهرة إنسانية -سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية- إلا بالغوص في أكثر مستويات التحليل عمقاً، أي المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء.

وهذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره، وهذه هي الخريطة الإدراكية التي تحدد ما يمكن أن يراه الإنسان في هذا الواقع الخام، فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا يراها، وتؤكد البعض الآخر بحيث يراها مهمة ومركزية.

ومن الأمثلة الطريفة على الخريطة الإدراكية ما يروى عن ماري أنطوانيت (ملكة فرنسا قبل الثورة و أبنة العائلة المالكة في النمسا والتي كانت تعيش عيشة مترفة منعزلة تماما عن العالم الخارجي)، فقد قيل إن بعض الحراس وجدوا فلاحاً مغشياً عليه من فرط الجوع، فأتوا به إليها، فأشفقت عليه وقالت له “يا سيدي، يجب ألا تتبع هذا الريجيم القاسي”. وفي رواية أخرى أنهم أخبروها أن الفلاح لم يجد خبزا يأكله مدة أسبوع، فقالت مستنكرة “لماذا لم تأكل جاتوه؟”.

read more »

بالعربي عبد الوهاب المسيري

نماذج أكثر تفسيرية …

و لكي أوضح فكرة “أكثر تفسيرية” و أقل “تفسيرية” ، كنت أضرب لطالباتي مثلا طريفا حين كنت في إحدى العواصم الأروبية. إذ لاحظت أن الفتيات نحيفات للغاية و يلبسن جونلات قصيرة للغاية، فكنت أخبر الطالبات أنه من الممكن القول إن الفقر قد أجتاح أوروبا، و أن الفتيات نحيفات لأنهن لا يأكلن بما فيه الكفاية، و الجونلات قصيرة لأنهن من الواضح غير قادرات على دفع ثمن الجونلات الطويلة. هذا النموذج التفسيري يفسر بعض جوانب الواقع دون شك. و لكن ماذا عن الساعة باهظة التكاليف التي ترتديها الفتاة النحيفة؟ و ماذا عن الحذاء و حقيبة اليد؟ هنا يسقط هذا النموذج التفسيري لأنه أقل تفسيرية. و نطرح نموذجا اخر هو نموذج الموضة الذي يفرض على الفتيات أن يكن نحيفات و يرتدين الجونلات القصيرة. و سنجد أن النموذج الأخير قادر على تفسير “عدد أكبر” من العناصر، و من ثم فهو أكثر تفسيرية

و كان تجاوز الموضوعية المتلقية و الرصد المباشر هو ديدني في دراساتي و أبحاثي بما في ذلك دراساتي عن الصهيونية ……… و يمكن أن أذكر هنا واقعة أخرى و هي تشييد متحف الهولوكوست في الولايات المتحدة. ساعتها قال البعض إن هذا تعبير عن قوة النفوذ الصهيوني .. الخ، و لكن بعد قليل من البحث و التمحيص، أكتشفت أن الدولة الصهيونية لم تكن سعيدة تماما بهذا المتحف. فهي تعد نفسها مركز اليهود و اليهودية و قد تحولت الهولوكوست الى معلم أساسي لما يسمى التاريخ الصهيوني. فقد أسسوا نصب ياد فاشيم في إسرائيل  ليكون بمنزلة مزار يتعبد فيه “الشعب” في تاريخه و نفسه، فهو بمنزلة مكان مقدس، بل هو أكثر الأماكن قداسة فإذا بنى يهود الولايات المتحدة متحفا للمحرقة،  أفليس هذا بمنزلة أزدواج في المراكز و توزيع للقداسة و تنافس مع أرض الميعاد؟ و من هنا كان اعتراض بعض الأسرائيليين على أقامة هذا المتحف. و مثل هذا التركيب لا يمكن للموضوعية المتلقية اكتشافه، فهي تكتفي بالتلقي و الرصد السطحي السريع

بالعربي عبد الوهاب المسيري

عن الولاء في المجتمع التقليدي

من كتاب “رحلتي الفكرية – سيرة غير ذاتية غير موضوعية” لعبد الوهاب المسيري .. “الولاء” هنا يتضمن الطاعة و الأنصياع للتقاليد و الأعراف و القوانين و  “تقليدي” هنا تعني عكس الحديث .. كما في القرى حيث المجتمع التقليدي يحدد كل شئ و يتدخل في كل شئ .. وهذا الولاء في رأي المسيري يحمي الأنسان من التقاليع و هجمة الحداثة لكنه له بعض التبعات

وحتى لا يتصور أحد أن لدي حنينا رومانسيا (نوستالجيا) للماضي (برغم إدراكي لكثير من إيجابياته) ، يجب أن أشير إلى وعيي بالجانب المظلم لهذا المجتمع التقليدي . فالفردية التقليدية  وهي غير الفردية الحديثة) ، وعدم انضباطها تتضح بشكل درامي ، خاصة حينما تبدأ المؤسسات الحديثة في الظهور، وهي مؤسسات تتطلب من الفرد قدرا من الانضباط العام والمجرد . فالفرد التقليدي يظل على فرديته النابعة من ولاءاته التقليدية لنفسه ولأسرته أو عشيرته (تعرف زوجتي الحداثة بأنها التخلي عن كل العلاقات الأولية  ، مثل علاقات القرابة والانتماء للقبيلة والعلاقة المباشرة بالطبيعة ، واحلال علاقات شخصية مجردة محلها مبنية على التعاقد والمنفعة) . لهذا نجد أن الفرد التقليدي يرفض الانصياع للقوانين العامة التي تجاوز نطاق هذه الولاءات والقيم الأخلاقية التقليدية  و التي لا تنطبق إلا على حياته الخاصة المباشرة ، أما رقعة الحياة العامة فهي مباحة ، ولا قداسة لها ، ولذا لم يظهر ما يسمى “الأخلاقيات المدنية”. ولذا نجد في الجامعة على سبيل المثال فتاة محجبة متمسكة بأهداب الفضيلة مطيعة لوالديها ، ولكنها لا تتورع عن الكذب على الأستاذ والغش في الامتحان ، لأن الأستاذ والامتحان يقعان خارج نطاق الولاء التقليدي لمنظومة القيم التقليدية

ومن أطرف الأمثلة على هذه الازدواجية  تصرف المصريين أمام البوفيه المفتوح  . ففي المجتمع التقليدي حينما يدعى المرء للطعام فهو لابد أن يأكل قليلآ ، ثم يعلن أنه والحمد لله قد شبع فيقوم مضيفه بتقديم المزيد من الطعا‌م فإن رفض الضيف فإن الضيف يقسم بأغلظ الأيمان أنه لابد وأن يقبل أن يأكل المزيد “ولا أكلنا لا يعجبك … ماتكسفنيش… ” فيضطر الضيف المسكين إلى أكل المزيد . تنقلب الآية تماما أمام البوفيه المفتوح  إذ يتدافع الناس ويكدسون الطعام في أطباقهم إلى درجة التبديد

ونفس التناقض يوجد في سلوك الناس داخل المسجد وخارجه ، فهم في صلاة الجمعة تجدهم يفسحون الأماكن بعضهم لبعض ويصطفون معا صفا واحدا ويحرصون على أن يكون صفا مستقيما (أستقيموا يرحمكم الله) ويخرجون بشكل هادئ ء على سبيل المثال من المسجد . ولكن على بعد خطوات منه إن كان يقف هناك بائع بطيخ تجدهم يتدافعون ويتشاجرون ولا يحترمون الطابور أو الدور . ولا يمكن تفسير هذا التناقض البين في السلوك إلا من خلال إدراك المفهوم التقليدي للقيم الأخلاقية بحسبانها ذات فاعلية في مجال الحياة الخاصة وحسب ، وأن الحياة العامة تقع خارج ذطاق الأخلاق

ولعل الظاهرة التي نشكو منها جميعا ، وهى مشكلة سلم العمارة القذر، مثال جيد آخر . فمعظم المصريين يحافظون على مستوي عال من النظافة داخل شققهم وهذا جزء من منظومتهم الأخلاقية التقليدية ، أما خارجها فمباح ويتحول إلى “ملقف للقمامة” . ومن أكثر الأمثلة درامية هو حالة المرور في العواصم العربية والقيادة بسرعة جنونية ورفض الانصياع لإشارات المرور