Category Archives: نجيب محفوظ

بالعربي نجيب محفوظ

هديــة

في عزلة الشيخوخة وعجزها ينتشر التأمل مثل عبير البخور … وقال لصاحبه العاكف على العبادة وكأنه يعتذر

“في زحمة هموم أسرتي ومطالب الشؤون العامة ضاع عمري،فلم أجد وقتا للعبادة”

في تلك الليلة، زاره في المنام من أهدى إليه وردة بيضاء وهمس في أذنه

“هدية لا يستحقها إلا العابدون الصادقون”

نجيب محفوظ

بالعربي نجيب محفوظ

نـصـف يـوم

سرت إلى جانب أبى مته متعلقا بيمناه . جريت لألحق بخطاه الواسعة . ملابسى كلها جديدة ، الحذاء الأسود والمريلة الخضراء والطربوش الأحمر . غير أنى لم أسعد بالملابس الجديدة سعادة صافية , فيومى لم يكن يوم عيد ولكنه أول يوم يلقى بى فى المدرسة . وقفت أمى وراء النافذة تراقب موكبنا الصغير فالتفت نحوها كالمستغيث بين حين وآخر تقدمنا فى شارع بين الجناين تحف به من الجانبين حقول مترامية مزروعة بالخضر والتين الشوكى وأشجار الحناء وبعض النخلات

قلت لأبى بحرارة: لماذا المدرسة . . . لن أفعل ما يضايقك أبدا

فقال ضاحكا: أنا لا أعاقبك ، المدرسة ليست عقابا ، ولكنها المصنع الذى يخلق من الأولاد رجالا نافعين ، ألا تريد أن تصير مثل أبيك وأخوتك؟

لم أقتنع . لم أصدق أنه يوجد خير حقا فى انتزاعي من بيتى الحميم ورميى فى هذا المبنى القائم فرر نهاية الطريق مثل حصن هائل شديد الجدية والصرامة عالي الأسوار . ولما بلغنا البوابة المفتوحة تراءى لنا الفناء واسعا ومكتظا بالأولاد والبنات

وقال أبى: ادخل بنفسك وانضم إليهم ، ابسط وجهك وابتسم ، و كن مثالا طيبا

ترددت وشددت أصابعى على راحته ٠ ولكنه دفعنى برفق وهو يقول : كن رجلا ، اليوم تبدأ الحياة حقا ، ستجدنى فى انتظارك وقت الانصراف

مشيت خطوات ثم وقفت أنظر ،أنظر ولا أرى . ثم أنظر فتلوح لى وجوه الأولاد والبنات. لا أعرف أحدا ولا أحد يعرفنى شعرت بأننى غريب ضائع . ولكن ثمة نظرات اتجهت نحوى بدافع من حب الاستطلاع

واقترب منى ولد وسألنى : من الذى جاء بك؟
فهمست : أبي
فقال ببساطة : أبى ميت

لم أدر ماذا أقول له . وأغلقت البوابة مرسلة صريرا مؤثرا . أجهش البعض بالبكاء . دق الجرس . جاءت سيدة يتبعها نفر من الرجال . أخذ الرجال يرتبوننا صفوفا. انتظمنا شكلا دقيقا فى فناء واسع محاط من ثلاث جهات بأبنية مرتفعة مكونة من طوابق ، وبكل طابق شرفة طويلة مسقو فة بالخشب تطل علينا

وقالت المرأة : هذا بيتكم الجديد ، هنا أيضا آباء وأمهات ، هنا كل شىء يسر أو يفيد من اللعب إلى العلم إلى الدين ، جففوا الدموع واستقبلوا الحياة بالأفراح

استسلمنا للواقع . وسلمنا الاستسلام إلى نوع من الرضا .. انجذبت أنفس إلى أنفس . ومنذ الدقائق الأولى صادق قلبى من الأولاد من صادق ، وعشق من البنات من عشق ، حتى خيل إلى أن هواجسى لم تقم على أساس . لم أتصور قط أن المدرسة تموج بهذا الثراء كله . ولعبنا شتى الألعاب من أرجوحة وحصان وكرة . وفى غرفة الموسيقى ترمنا بأول الأناشيد . وتم أول تعارف بيننا وبين اللغة . وشاهدنا الكرة الأرضية وهى تدور عارضة القارات والبلدان . وطرقنا باب العلم بادئين بالأرقام . وتليت علينا قصة خالق الأكوان بدنياه وأخرته ومثال من كلامه . وتناولنا طعاما لذيذا . وغفونا قليلا . وصحونا لنواصل الصداقة والحب واللعب والتعلم

وأسفر الطريق عن وجهه كله فلم نجده صافيا كامل الصفاء والعذوبة كما توهمنا . وبما تدهمه رياح صغيرة وحوادث غير متوقعة فهو يقتضى أن نكون على تمام اليقظة والاستعداد مع التحلى بالصبر . المسألة ليست لهوا ولعبا . ثمة منافسة قد تورث ألما وكراهية أو تحدث ملاحاة وعراكا . والسيدة كما تبتسم أحيانا تقطب كثيرا وتزجر . ويعترضنا أكثر من تهديد بالأذى والتأديب . بالإضافة إلى ذلك فإن زمان التراجع قد مضى وانقضى ولا عودة إلى جنة المأوى أبدا . وليس أمامنا إلا الاجتهاد والكفاح والصبر، وليقتنص من يقتنص ما يتاح له وسط الغيوم من فرص الفوز والسرور

ودق الجرس معلنا انقضاء النهار وانتهاء العمل . وتدفقت الجموع نحو البوابة التى فتحت من جديد . ودعت الأصدقاء، والأحبة وعبرت عتبة البوابة . نظرت نظرة باحثة شاملة فلم أجد أثرا لأبى كما وعد انتحيت جانبا أنتظر . طال الانتظار بلا جدوى فقررت العودة إلى بيتى بمفردى

وبعد خطوات مر بى كهل أدركت من أول نظرة أننى أعرفه . هو أيضا أقبل نحوى باسما فصافحنى قائلا : زمن طويل مضى منذ تقابلنا آخر مرة ، كيف حالك؟ فوافقته بانحناءة من رأسى .. وسألته بدورى : وكيف حالك أنت …أجاب: كما ترى ، الحال من بعضه ، سبحان مالك الملك .. وصافحنى مرة أخرى وذهب .

تقدمت خطوات ثم توقفت ذاهلا . رباه . . أين شارع بين الجناين أين اختفى؟ . . ماذا حصل له متى هجمت عليه جميع هذه المركبات؟ ! ومتى تلاطمت فوق أديمه هذه الجموع من البشر؟ وكيف غطت جوانبه هذه التلال من القمامة؟ وأين الحقول على الجانبين؟ .قامت مكانها مدن من العمائر العالية ، واكتظت طرقاتها بالأطفال والصبيان ، وأرتج جوها بالأصوات المزعجة . وفى أماكن متفرقة وقف الحواة يعرضون ألعابهم ويبرزون من سلالهم الحيات و الثعابين . وهذه فرقة موسيقية تمضى معلنة عن افتتاح سيرك يتقدمها المهرجون وحاملو الأثقال . وطابور من سيارات جنود الأمن المركزى يمر فى جلال وعلى مهل . وعربة مطافى تصرخ بسرينتها لا تدرى كيف تشق طريقها لإطفاء حريق مندلع . ومعركة تدور بين سائق تاكسى وزبون على حين راحت زوجة الزبون تستغيث ولا مغيث . رباه ! ذهلت . دار رأسى . كدت أجن . كيف أمكن أن يحدث هذا كله فى نصف يوم ، ما بين الصباح الباكر والمغيب؟ سأجد الجواب فى بيتى عند والدى . ولكن أين بيتى؟ لا أرى إلا عمائر وجموعا . وحثثت خطاى حتى تقاطع شارعى بين الجناين وأبو خردة. كان على أن أعبر أبو خردة لأصل إلى موقع بيتى ، غير أن تيار السيارات لا يريد أن ينقطع . وظلت سارينا المطافى تصرخ بأقصى قوتها وهى تتحرك كالسلحفاة ، فقلت : لتهنأ النار بما تلتهم .

وتساءلت بضيق شديد : متى يمكننى العبور؟ وطال قرفى حتى اقترب منى صبى كواء يقوم دكانه علي الناصية

فمد إلى ذراعه قائلا بشهامة: يا حاج . . دعنى أوصلك . .

نجيب محفوظ