Category Archives: يوسف القرضاوي

بالعربي يوسف القرضاوي

المسكوت عنه -1

المسكوت عنه .. هو ما يعلمه السلفيون و يريدون أن يعملوا به و يعلمه الباحثون من غير المسلمين و يأخذونه على الإسلام و يجهله عامة الناس  من “دينهم” و يسكت عنه باقي العلماء – على ما يبدوا – على أمل أن ينسى و يندثر و ربما خوفا من زلزلة عرش النقل .. الجهل بالمسكوت عنه يحول أي حوار الى حوار طرشان

من مذكرات الشيخ القرضاوي عن الشيخ محمد أبو زهرة في مؤتمر علمي في لبيبا عام 1972 .. فتأمل

وفي هذه الندوة فجر الشيخ أبو زهرة قنبلة فقهية، هيجت عليه أعضاء المؤتمر، حينما فاجأهم برأيه الجديد
وقصة ذلك: أن الشيخ رحمه الله وقف في المؤتمر، وقال: إني كتمت رأيا فقهيا في نفسي من عشرين سنة، وكنت قد بحت به للدكتور عبد العزيز عامر، واستشهد به قائلا: أليس كذلك يا دكتور عبد العزيز؟ قال: بلى. وآن لي أن أبوح بما كتمته، قبل أن ألقى الله تعالى، ويسألني: لماذا كتمت ما لديك من علم، ولم تبينه للناس؟ هذا الرأي يتعلق بقضية (الرجم) للمحصن، في حد الزنى، فرأى أن الرجم كان شريعة يهودية، أقرها الرسول في أول الأمر، ثم نسخت بحد الجلد في سورة النور. قال الشيخ، ولي على ذلك أدلة ثلاثة

الأول: أن الله تعالى قال في سورة النساء: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) الآية: والرجم عقوبة لا تتنصف، فثبت أن العذاب في الآية هو المذكور في سورة النور: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) النور: 2

والثاني: ما رواه البخاري في جامعه الصحيح عن عبد الله بن أوفى: أنه سئل عن الرجم؟ هل كان بعد سورة النور أو قبلها؟ فقال: لا أدري. … فمن المحتمل جدا أن تكون عقوبة الرجم قبل نزول آية النور التي نسختها

الثالث: أن الحديث الذي اعتمدوا عليه، وقالوا: إنه كان قرآنا ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه: أمر لا يقره العقل، لماذا تنسخ التلاوة والحكم باق؟ وما قيل: إنه كان في صحيفته فجاءت الداجن وأكلتها: لا يقبله منطق

وما إن انتهى الشيخ من كلامه حتى ثار عليه أغلب الحضور، وقام من قام منهم، ورد عليه بما هو مذكور في كتب الفقه حول هذه الأدلة. ولكن الشيخ ثبت على رأيه. وقد لقيته بعد انفضاض الجلسة، وقلت له: يا مولانا، عندي رأي قريب من رأيك، ولكنه أدنى إلى القبول منه. قال: وما هو؟ قلت: جاء في الحديث الصحيح: “البكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب: جلد مائة، ورجم بالحجارة”. قال: وماذا تأخذ من هذا الحديث؟ قلت: تعلم فضيلتك أن الحنفية قالوا في الشطر الأول من الحديث: الحد هو الجلد، أما التغريب أو النفي، فهو سياسة وتعزير، موكول إلى رأي الإمام، ولكنه ليس لازما في كل حال. وعلى هذا فثبت ما جاءت به الروايات من الرجم في العهد النبوي، فقد رجم يهوديين، ورجم ماعزا، ورجم الغامدية، وبعث أحد أصحابه في قضية امرأة العسيف، وقال له: اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. وكذلك ما روي أن عمر رجم من بعده، وأن عليا رجم كذلك

ولكن الشيخ لم يوافق على رأيي هذا، وقال لي: يا يوسف، هل معقول أن محمد بن عبد الله الرحمة المهداة، يرمي الناس بالحجارة حتى الموت؟ هذه شريعة يهودية، وهي أليق بقساوة اليهود

الحديث هنا ليس عن الفتوى .. و لكنه عن سنين الكتمان

بالعربي يوسف القرضاوي

كتب 2011 – الجزء الأول

كتب قرأتها في 2011 .. بدون ترتيب

كتب للشيخ يوسف القرضاوي

أجمل ما في كتابات القرضاوي أنه محافظ جدا .. يسرد و يفضل الأخذ بالمأثور ما أستطاع و لكن لا يهمل إعمال العقل فيما ينقل .. فلا أملك شخصيا أي خيار في أن أقبل رأيه في الغالبية العظمى من الأراء

 كيف نتعامل مع السنة النبوية – الشيخ يوسف القرضاوي

أعتقد أن أصوليون اليوم هم غلاة أهل الحديث في الماضي (في مقابل أهل الرأي) … أو غلاة أهل النقل ..  و هم من يستكثر من السنة القولية و المأثور بشئ من التساهل .. أو على الأقل يدور نقاشهم حول الأسانيد ويأخرو تحليل المتون و يعطلون القياس و الأجتهاد و الأستحسان ما أستطاعوا .. يتباهى بعضهم و يقول “أنه يقدم المنقول لا ما تقبله العقول” و يتمادى أخرون و يقولون “السنة قاضية على القرآن” و في مقابل شطط هؤلاء يأتي من ينكر السنة القولية أو يتساهل في رد الحديث النبوي … و لهؤلاء و هؤلاء كتب هذا الكتاب القيم ..

المدهش حقا هو الأمثلة من المأثور و الحديث – أو ما ينسب للرسول الكريم – و كيف يتعامل معها بعض القدامى و المحدثين من العلماء المسلمين … بلا شك أن ما يعرفه عامة المسلمون عن السنة القولية (و مازال يروجه الأصوليون) مشوب بكثير من سوء الفهم … يجب أن يقرأ المصريون هذا الكتاب

 

كيف نتعامل مع القران العظيم – الشيخ يوسف القرضاوي

كتاب أخر مماثل للكتاب السابق و لكن يدور موضوعه حول القرآن الكريم .. يتناول الكتاب الكثير من القضايا الهامة عن أستخدام القران في غير موضعه .. و تفسيره و تأويله و عن الأعجاز العلمي في القران و قضية النسخ و غيرها .. و فصل رائع عن أستخدام القران في الحكم ينتهي بجزء هام جدا بعنوان مَـاذا أَنزَلَ اللَّـهُ؟ .. كما في الكتاب السابق .. الكثير من المسلمات الدينية  عندي -و المجهولة المصدر- تبين أنها غير ذات أساس أو على أحسن الفروض معلومات منقوصة و مشوهة

و كمعلومات سريعة .. “يفضل” القرضاوي تفسير الطبري كونه يجمع بين التفسير بالمأثور و الدراية .. و عبارة “القرآن حمال اوجه” الشهيرة التي تنسب الى سيدنا علي أبن أبي طالب ليس لها سند قوي أنه قالها في رأي القرضاوي

الكتابين معا لابد أن يكونوا في بيت كل أسرة مصرية … و خصوصا هذه الأيام

 

كتب لجمال البنا

“أنت ذكى جدا، متوهج العقل، باحث عن أصل الأشياء. ولأنك متدين بالفطرة، فقد شعرت فى صباك بعطش إلى الإيمان. وكان الخطاب الدينى يصور التاريخ الإسلامى نبعا صافيا يترقرق فى عذوبة ونقاء. صدقتهم شأنك شأن أى شاب آخر فى هذه المرحلة. لكنك كنت تختلف عنهم بتفكيرك النقدى وعقلك المتوهج وقدرتك على العودة إلى المصادر الإسلامية الأصلية. حينما عدت إليها صُدمت.

وجدته تاريخ بشر ولم تجده تاريخ ملائكة. اكتشفت أن الخطاب الدينى السائد مُنتقى ولا يعرض الوقائع كاملة. وجدت أشياء لم يستسغها عقلك، وكان أمامك اختياران: أن تسدل على عقلك حجابا لتحفظ توازنك النفسى، أو أن تخوض تجربتك بشجاعة وتبحث عن الحقيقة منفردا، دون أن تُسلّم عقلك لأحد، وتتحمل مشاق الطريق”

لو حاسس أن الكلام عليك  (و الكلمات لدكتور أيمن الجندي) .. فجمال البنا و كتبه مقدمة لك خصيصا و ألا فتخطى الكتابين التاليين

جناية قبيلة حدثنا – جمال البنا

قرأت هذ الكتاب مباشرة قبل كتاب “كيف نتعامل مع السنة النبوية” و تجلى الفرق بين العالم (القرضاوي) و المفكر (البنا) .. مضمون الكتابين متشابه لحد كبير  .. بل أن بعض الأمثلة مشتركة .. و لكن كتاب البنا كما لو كتب لتقريع غلاة أهل الحديث و قذفهم بما يكرهون و لشد القارئ  من أذنه ليفيق من أسر التقليد و دفعه للبحث وراء الأصول .. أظن أن كثير منا ضحايا لقبيلة “حدثنا” و لكن قليل من يستطيع مواجهتهم .. لو قرأت الكتاب و حسيت ب “عدم توازن نفسي” فعليك بكتاب القرضاوي .. أنا عملت كدة

 

 

تفنيد دعوى النسخ في القرآن الكريم ومقالات أخري – جمال البنا

أخذت أحتياطي و قرأت كتاب القرضاوي “كيف نتعامل مع القرآن العظيم” أولا قبل قرأة هذا الكتاب .. يتناول البنا في نصف الكتاب تقريبا دراسة عن قضية النسخ في القرآن الكريم .. و تم مناقشة نفس القضية في فصل خاص في كتاب القرضاوي .. و قرأت عن نفس القضية في تفسير الأية 106 من سورة البقرة للأمام محمد عبده في تفسير المنار … بدون الخوض في تفاصيل كثيرة و دقيقة  أظن أن على المسلم أن يكون رأيه الخاص في القضية لأن بقبول النسخ – و هو أنواع و درجات – يقبل المسلم الكثير من الأحكام المبنية على النسخ .. فعلى سبيل المثال .. يدعي بعض دعاة النسخ أن آيه السيف ( التي أُختلف في تحديدها!) نسخت مئة اية من ايات الرحمة .. و على هذا يكون المسلم في حالة قتال دائم مع غير المسلمين ..الخبر الجيد أن القرضاوي و البنا أنكروا وجود هذه الأية .. أو أنكروا أنها تنسخ ايات الصبر و الرحمة و الملاينة

و إذا قبلنا أن ايات تحريم الخمر و أن اخرها (في التنزيل) ينسخ أولها في الحكم .. كان لزاما على الأوروبي الذي يعتنق الأسلام أن يمتنع فورا عن شرب الخمر فور نطقه بالشهادتين .. بينما يرى اخرون كالأمام محمد الغزالي أنه يمكنه أن يمتنع عنها بالتدريج كما حرمت الخمر في القران بالتدريج

و تفتح قضية النسخ قضية أخرى .. و هي نسخ السنة للقرآن .. و هي قضية تطرح بكثرة في الكتب الأربعة .. و هي على صلة وثيقة – في رأيي – بقضية أشمل و أعقد  وهي  قضية النقل و العقل

المهم .. يحتوي النصف الثاني من الكتاب مجموعة مقالات متنوعة نشرت في جريدة المصري اليوم عامي 2006 و 2007  أهمها  مقال بعنوان الحرية تبني سقفها

 

السياسة و الأزهر – فخر الدين الأحمدي الظواهري

مذكرات شيخ الأزهر الأحمدي الظواهري  (1878م – 1944م) بقلم أبنه فخر الدين و أظن أن عنوان الكتاب – السياسة و الأزهر – من وضع الناشر .. و الكتاب يعطي صورة عن  التعليم في الأزهر قبل و بعد أنشاء جامعة الأزهر و الصراعات “السياسية” التي كانت تدور بين الأنجليز و الملك فؤاد و البرلمان حول تبعية الأزهر … ليس لأصلاحه بالطبع ..  و لكن للأستفادة بتعلق الناس به .. من الواضح أن من كان يسيطر على الأزهر في ذلك الوقت كان يسيطر على الرأي العام! .. كل ذلك من خلال المذكرات التي يرويها الأب لأبنه .. المذكرات شخصية غير مسيسة بالمرة و هذا أجمل ما في الكتاب .. فبأمكان القارئ تكوين فكرة عن ما يدور من أحداث و يكون أنطباعات عن الشخصيات في الأحداث بدون توجيه من المؤلف

يُذكر الأمام محمد عبده كثيرا في أول المذكرات .. فقد أمتحن صاحب المذكرات لشهادة العالمية .. و على ما يبدو أن “عقلانية” محمد عبده كانت موجهة أساسا ضد اللاعقلانية الصوفية .. فقد كان بين محمد عبده و والد الشيخ الظواهري جفاء شديد بسبب تمسك الأب ببعض الأراء اللاعقلانية للصوفية .. و زاد الطين بلة أن سمى الأب أبنه “الأحمدي” نسبة الى السيد أحمد البدوي في طنطا .. فعندما جلس الأحمدي بين يدي محمد عبده ليمتحنه قال له: “لقد سماك أبوك بالأحمدي نسبة الى أحمد البدوي الولي .. فلنر الآن ناذا سيكون من شأن هذا الولي معك!” .. لكن بعد الأمتحان الطويل “أدخل الشيخ محمد عبده يده في جيبه و أرسل في طلب سطل من شراب الخرنوب فشرب الأمام و التلميذ” ..لقد كان الشيخ الظواهري يعتقد في كرامات الحسين و الشافعي و غيرهم و روى قصة عجيبة عن كراماتهم .. لا أشك في مصداقيتها

أطرف الأجزاء في الكتاب هو أحداث اللقاء الأول بين النجديين الوهابيين – على حد وصف المؤلف – و العالم الأسلامي في أول موسم حج  بعد أستيلاء الملك عبد العزيز على الحجاز .. فقد فوجئ الحجاج بأزالة بعض المزارات في مكة و المدينة كبيت السيدة خديجة و البيت الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه و سلم كما طمست الأسماء على  قبور الصحابة و هدمت اثارهم .. و قام النجديون “بذبح”  من يدخن و تعزير من يقول “يا رسول الله” .. لكنهم حللوا  –  بعد تحريم – “الأتومبيل” بعدما حصلوا الأتاوات ممن يركبوه! .. لقد حدث كل هذا حتى بعد ان أقسم أبن سعود أن لن يمس أحد هذه المزارات .. ولكن – و الرأي للكاتب – أن أبن سعود لم يستطيع أن يبر بقسمه بسبب أندفاع أتباعه من الوهابيين (!!!!) .. و لم يذهب أحد للحج في العام التالي .. و لم ترسل مصر “صرة المحمل” و أمتنعت الحكومات عن أرسال المعونات .. فأرسل أبن سعود لعمل مؤتمر أسلامي في مكة ثم كانت رسائل متبادلة و  أجتماعات و قرارات … كلها جديرة بالقراءة .. فهي جزء مجهول من التاريخ الحديث

بالعربي يوسف القرضاوي

مَـاذا أَنزَلَ اللَّـهُ؟

وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .. وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ..   وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ .. أفاض علماء السلف و الخلف في شرح معاني هذه الأيات .. و كذلك فعل الشيخ القرضاوي في كتابه القيم “كيف نتعامل مع القران العظيم ؟” و لكن القرضاوي و بعد أن شرح و أفاض .. أضاف جزءا هاما يشرح فيه .. مــاذا أنــزل الله

كيف نتعامل مع القران العظيم؟

و يحسن بي أن أنبه هنا على معنى يغيب عن الكثيرين ممن كتبوا في هذه القضية و هو: ما المقصود ب (ما أنزل الله) الذي نطقت به الأيات التي أوردناها من سورة المائدة؟

الكثيرون يفهمون منها: النص الألهي الذي أنزله الله على رسوله, و هو بالنسبة لنا – نحن المسلمين – القرآن الكريم. و هذا صحيح بلا ريب فهذا الكتاب قد أنزله الله تعالى على رسوله كما بينت الأيات الوفيرة من كتاب الله : ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ ).. الى غير ذلك من الأيات في مكي القرآن و مدنيه, و هي قاطعة أن القرآن منزل من عند الله تبارك و تعالى

و لكن الله كما انزل (القرآن) أنزل (الميزان)  .. فالكتاب يمثل النص الألهي الذي يرجع إليه في وضع الأسس, و تبيين الأصول , و رسم المنهج. و الميزان هو الذي يرجع اليه في شرح تلك الأسس و الأصول و تطبيقها على الواقع. فهو يجسد ما تشهد به الفطرة السليمة و العقول المستقيمة و الأقيسة الصحيحة من أقامة العدل و غرس الفضائل و تيسير الحياة الطيبة للناس، و الحفاظ على الثروة المادية و البشرية، و على البيئة و غيرها

يقول تعالى:  (اللَّـهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ۗ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ﴿١٧﴾)  في سورة الشورى  و قال عز و جل: (قَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) في سورة الحديد و في سورة الرحمن يقول تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧﴾ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴿٨﴾ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴿٩﴾ ) .. فما هذا الميزان الذي قرنه الله تعالى بالكتاب حينا، و قرنه برفع السماء حينا أخر، و أمرنا ألا نطغى فيه أو نخسره و أن نقيم الوزن بالقسط؟ هل هو الميزان الحديدي الذي توزن به البضائع؟

ذهب الى ذلك بعض المفسرين، و لكن هذا يقرن بالكيل لا بالكتاب، ثم لا يبلغ شأنه مبلغ الميزان المذكور في مطلع سورة الرحمن، و المقرون برفع السماء مسكن الملائكة، و مصدر الوحي الألهي

لابد أن يكون إذا ميزانا معنويا توزن به الأفكار لا الأشياء ، و الحقائق لا الحقائب و المعاني لا الصور، ميزانا تقوم به العقائد و الأخلاق و الأعمال و الأشخاص، و الأنظمة و المذاهب

و أقرب عبارة لتحديد معنى هذا الميزان و الله أعلم بمراده: أنه القيم الأخلاقية الأصيلة التي توارثتها الأجيال عن النبوات الهادية، و أنه المقاييس الأنسانية السليمة التي تهتدي بالكتاب الألهي لمعرفة الحق، قياسا للأمر بنظيره ، و ردا للفرع إلى أصله

و قد جاء عن قتادة و مجاهد و غيرهما من مفسري السلف أن الميزان في الآية: هو العدل .. و اختاره ابن جرير شيخ المفسرين و ايده ابن كثير قائلا: و هو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة، المخالفة للأراء السقيمة، قال تعالى في سورة هود: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ) ….. و قال بعض الحكماء: العدل ميزان الله في الأرض وضعه للخلق و نصبه للحق

و بهذه الآية استدل الفقهاء الذين يستعملون الرأي و القياس في معرفة الأحكام الشرعية و بينوا أن النص الصريح لا يخالف القياس الصحيح، و أن الشرع لا يفرق بين متماثلين، كما لا يسوي بين مختلفين. قال المحقق ابن القيم:
قد ثبت أن الله أنزل الكتاب و الميزان فكلاهما في الأنزال أخوان، و في معرفة الأحكام شقيقان. و كما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، و لا يتناقض الكتاب و الميزان، فلا تناقض دلالة النصوص الصحيحة و لا دلالة الأقيسة الصحيحة

و بهذا نعلم أن الله تعلى كما انزل الكتاب أنزل الميزان. لذلك يجب أن نحكم بهما كليهما. و بهذا يلتقي الوحي و العقل، أو الدين و العلم، ليكون منهما نور على نور